الشيخ محمد الصادقي الطهراني
461
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
هو المحسن بما يصلح لها ، ولكن ليس كل من أحسن بالغا ما بلغ يؤتى ذلك الحكم ، فإنه كسبي كظرف صالح ، وانتصابي كما يراه اللّه في كل زمن حسب حاجة المرسل إليهم . ومن حكمه الموهوب تمكينه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء : « وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ » كما من علمه الموهوب علم تأويل الرؤيا الموعود له من قبل : « وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » إضافة إلى سائر الحكم والعلم المعلومان من طيّات القصة ، كحكم النفس إحكاما لها وتوطيدا أمام الشهوات ، وهو من الحكمة العملية والعلم بتأويل الأحاديث وهو من الحكمة النظرية ، حكم عليم ، وعلم حكيم يجتمعان في هذا النبي العظيم « وَكَذلِكَ نَجْزِي الُمحْسِنِينَ » ! وعلى أية حال فكل حكم بالغ وعلم سابغ هي من مخلفات النبوة ، فالحكم هنا حكم اللّه والعلم علم اللّه لا جهل يداخله ولا باطل يزاوله . « لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ » آتاه اللّه حكما وعلما ، يسرا في المعرفة الواصبة الخالصة ، وهل يحصل يسر بلا عسر ؟ كلا ! « فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً » لذلك نراه يبتلى بامرأة العزيز ونسوة في المدينة منذ أشدّه ، كما ابتلي بإخوته منذ رؤياه إلى جبّه ، ورطات من قبل ومن بعد وليتحقق وعد اللّه في هذا البين « آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً » ومن ثم « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . . » . هنا تبدأ حلقة ثالثة هي أخطر الحلقات وأبلاها ، وأخطر من هدر النفس والنفيس ، فإنه جوّ تهدّر العصمة والخلوص للّه ، « لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » ! : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) . « الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها » هي امرأة العزيز ، وهذه صيغة سائغة عنها وعن موقفه عليه السلام دون